أبي حيان الأندلسي

138

تفسير البحر المحيط

ذلك أنه ضري بمشاهدة أمثاله عند موسى من العجائب ، واستأنس بأخواته فأعان الإلف على قلة الاهتمام انتهى . قال أبو بكر غالب بن عطية والداني عبد الحق المفسر : سمعت أبا الفضل الجوهري يقول في وعظة : مشى موسى إلى المناجاة فبقي أربعين يوماً لم يحتج إلى طعام ، ولما مشى إلى بشر لحقه الجوع في بعض يوم . وقال الزمخشري : * ( أَرَأَيْتَ ) * بمعنى أخبرني فإن قلت : فما وجه التئام هذا الكلام فإن كل واحد من * ( أَرَأَيْتَ ) * و * ( إِذْ أَوَيْنَا ) * و * ( فَإِنّى نَسِيتُ الْحُوتَ ) * لا متعلق له ؟ قلت : لما طلب موسى الحوت ذكر يوشع ما رأى منه وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية فدهش فطفق يسأل موسى عن سبب ذلك ، كأنه قال : * ( أَرَأَيْتَ ) * ما دهاني * ( إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنّى نَسِيتُ الْحُوتَ ) * فحذف ذلك انتهى . وكون أرأيتك بمعنى أخبرني ذكره سيبويه : وقد أمعّنا الكلام في ذلك في سورة الأنعام وفي شرحنا لكتاب التسهيل . وأما ما يختص بأرأيت في هذا الموضع فقال أبو الحسن الأخفش : إن العرب أخرجتها عن معناها بالكلية فقالوا : أرأيتك وأريتك بحذف الهمزة إذا كانت بمعنى أخبرني ، وإذا كانت بمعنى أبصرت لم تحذف همزتها قال : وشذت أيضاً فألزمتها الخطاب على هذا المعنى ، ولا تقول فيها أبداً أراني زيد عمراً ما صنع ، وتقول هذا على معنى أعلم . وشذت أيضاً فأخرجتها عن موضعها بالكلية بدليل دخول الفاء ألا ترى قوله * ( أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنّى نَسِيتُ الْحُوتَ ) * فما دخلت الفاء إلاّ وقد أخرجت لمعنى إما أو تنبه ، والمعنى أما * ( إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ ) * فالأمر كذا ، وقد أخرجتها أيضاً إلى معنى أخبرني كما قدمنا ، وإذا كانت بمعنى أخبرني فلا بد بعدها من الاسم المستخبر عنه وتلزم الجملة التي بعدها الاستفهام ، وقد يخرج لمعنى أما ويكون أبداً بعدها الشرط وظرف الزمان فقوله * ( فَإِنّى نَسِيتُ الْحُوتَ ) * ) * معناه أما * ( * ) * معناه أما * ( إِذْ أَوَيْنَا ) * * ( فَإِنّى نَسِيتُ الْحُوتَ ) * أو تنبه * ( إِذْ أَوَيْنَا ) * وليست الفاء إلاّ جواباً لأرأيت ، لأن إذ لا يصح أن يجازي بها إلاّ مقرونة بما بلا خلاف انتهى كلام الأخفش . وفيه إن * ( أَرَأَيْتَ ) * إذا كانت بمعنى أخبرني فلا بد بعدها من الاسم المستخبر عنه ، وتلزم الجملة التي بعدها الاستفهام وهذان مفقود إن في تقدير الزمخشري * ( أَرَأَيْتَ ) * هنا بمعنى أخبرني ، ومعنى * ( نَسِيتُ الْحُوتَ ) * نسيت ذكر ما جرى فيه لك . وفي قوله * ( وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ ) * حسن أدب سبب النسيان إلى المتسبب فيه بوسوسته و * ( أَنْ أَذْكُرَهُ ) * بدل اشتمال من الضمير العائد على الحوت ، والظاهر أن الضمير في * ( وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ عَجَبًا ) * عائد على الحوت كما عاد في قوله * ( وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ * سَرَباً ) * وهو من كلام يوشع . وقيل : الضمير عائد على موسى أي اتخذ موسى . ومعنى * ( عَجَبًا ) * أي تعجب من ذلك أو اتخاذاً * ( عَجَبًا ) * وهو أن أثره بقي إلى حيث سار . وقدره الزمخشري * ( سَبِيلِهِ ) * * ( عَجَبًا ) * وهو كونه شبيه السرب قال : أو قال * ( عَجَبًا ) * في آخر كلام تعجباً من حاله في رؤية تلك العجيبة ونسيانه لها ، أو مما رأى من المعجزتين وقوله : * ( وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ) * اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه . وقيل : إن * ( عَجَبًا ) * حكاية لتعجب موسى وليس بذلك انتهى . وقال ابن عطية : * ( وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ عَجَبًا ) * يحتمل أن يكون من قول يوشع لموسى أي اتخذ الحوت سبيلاً عجباً للناس ، ويحتمل أن يكون قوله * ( وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ ) * تمام الخبر ثم استأنف التعجب فقال من قبل نفسه * ( عَجَبًا ) * لهذا الأمر ، وموضع العجب أن يكون حوت قد مات وأكل شقه ثم حيي بعد ذلك . قال أبو شجاع في كتاب الطبري رأيته أتيت به فإذا هو شق حوت وعين واحدة وشق آخر ليس فيه شيّ . قال ابن عطية : وأنا رأيته والشق الذي فيه شيّ عليه قشرة رقيقة ليست تحتها شوكة ، ويحتمل أن يكون * ( وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ ) * الآية إخباراً من الله تعالى وذلك على وجهين : إما أن يخبر عن موسى أنه اتخذ سبيل الحوت من البحر * ( عَجَبًا ) * أي تعجب منه ، وإما أن يخبر عن الحوت أنه اتخذ سبيله * ( عَجَبًا ) * للناس انتهى . وقرأ حفص : * ( وَمَا أَنْسَانِيهُ ) * بضم الهاء وفي الفتح عليه الله وذلك